ابن حزم
165
الاحكام
رضي الله عنها أنهم كانوا يأنفون من اتخاذ الكنف في البيوت ، وأنهم كانوا يتبرزون خارج المنازل ، والرواية الصحيحة أنه عليه السلام كان إذا أراد أن يتبرز أبعد ، وليس لاحد أن يقول : إن ابن عمر إذا أشرف من السطح رآه في بنيان إلا كان متكهنا فهذا وجه . والوجه الثاني : أنه حتى لو صح أنه عليه السلام كان في بنيان فليس في ذلك الحديث إلا الاستدبار وحده ، فبأي شئ استحلوا استقبال القبلة بالغائط ، ولا نص عندهم فيه ؟ وليس إذا نسخ أو خص بعض ما ذكر في الحديث وجب أن ينسخ أو يترك سائره ، فإن قالوا : بل يترك سائره كانوا متحكمين في الدين ، ومسقطين لشرائع الله تعالى بلا دليل ، وسنستوعب الكلام في هذا الفصل في باب الخصوص أو النسخ من كتابنا هذا إن شاء الله عز وجل . ولزمهم أيضا أن يقولوا : إن النبي صلى الله عليه وسلم لما نهى عن مهر البغي وحلوان الكاهن وثمن الكلب وكسب الحجام ، ثم أباح كسب الحجام ، أن يستباح حلوان الكاهن ومهر البغي وثمن الكلب ، لان كل ذلك مذكور في حديث واحد ، وإلا كانوا متناقضين . قال علي : ووجه العمل في هذين الحديثين ، هو الاخذ بالزائد ، وقد كان الأصل بلا شك أن يجلس كل أحد لحاجته كما يشاء ، فحديث ابن عمر موافق لما كان الناس عليه قبل ورود النهي ، ثم صار ذلك النهي رافعا لتلك الإباحة بيقين ، ولا يقين عندنا أنسخ شئ من ذلك النهي أم لا ؟ فحرام أن نترك يقينا لشك ، وأن نخالف حقيقة لظن ، وليس لاحد أن يقول : إن حديث ابن عمر متأخر ، إلا لكان لغيره ، أن يقول بل حديث النهي هو المتأخر ، لأنه قد رواه سليمان ، وإسلامه في سنة الخندق ، وأبو هريرة وإسلامه بعد انقضاء فتح خيبر ، إلا أن النهي شريعة واردة رافعة لما كان الناس عليه من إباحة ذلك بيقين ، ولا يقين عندنا في أن الإباحة عادت بعد ارتفاعها ، ولو صح أن حديث ابن عمر كان متأخرا ما كان فيه إلا رفع النهي عن استدبار القبلة فقط ، وليبق استقبالها على التحريم .